صديق الحسيني القنوجي البخاري

74

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقد ورد في القرآن ما يدل على أن المساكنة في مدينة مجاورة ، قال اللّه تعالى : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ إلى قوله ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا [ الأحزاب : 60 ] فجعل اجتماعهم في المدينة جوارا ، وأما الأعراف في مسمى الجوار فهي تختلف باختلاف أهلها ، ولا يصح حمل القرآن على أعراف متعارفة واصطلاحات متواضعة . وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ الباء بمعنى ( في ) أو على بابها وهو الأولى ومعناه الملابسة أي حال كونه ملتبسا بالجنب أي بالقرب بجنبه ، قيل هو الرفيق في السفر قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك ، وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن أبي ليلى هو الزوجة والمرأة ، وقال ابن جريج : هو الذي يصحبك ويلزمك رجاء نفعك . وقال زيد بن أسلم : هو جليسك في الحضر ، ورفيقك في السفر وامرأتك التي تضاجعك ، ولا يبعد أن تتناول الآية جميع ما في هذه الأقوال مع زيادة عليها وهو كل من صدق عليه أن صاحب بالجنب أي بجنبك كمن يقف بجنبك في تحصيل علم أو تعلّم صناعة أو مباشرة تجارة أو نحو ذلك ، فإنه صحبك وحصل بجنبك ، ومنهم من قعد في مسجد أو مجلس أو غير ذلك مع أدنى صحبة بينك وبينه . وَابْنِ السَّبِيلِ قال مجاهد : هو الذي يجتاز بك مارا ، والسبيل الطريق فنسب المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه ، فالأولى تفسيره بمن هو على سفر ، فإن على المقيم أن يحسن إليه ، وقيل هو المنقطع به في سفره للحج أو للغزو أو مطلقا ، والأظهر أن يقول المسافر من غير قيد الانقطاع ، وقيل هو الضيف قاله القارئ ، وقد وردت أحاديث صحيحة في إكرام الضيف وجائزته ثلاثة أيام في الصحيحين وغيرهما . وَ أحسنوا إلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الأرقاء إحسانا ، وهم العبيد والإماء ، وقيل أعم فيشمل الحيوانات وهي غير الأرقاء أكثر في يد الإنسان منهم فغلب جانب الكثرة ، وأمر اللّه بالإحسان إلى كل مملوك آدمي وغيره قاله القارئ ، والأول أولى . وقد أمر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بأنهم يطعمون مما يطعم مالكهم ، ويلبسون مما يلبس قال مجاهد : فما خوّلك اللّه فأحسن صحبته ، كل هذا أوصى اللّه به ، وعن مقاتل نحوه . والإحسان إليهم أن لا يكلفهم ما لا يطيقونه ولا يؤذيهم بالكلام الخشن ، وأن يعطيهم من الطعام الكسوة ما يحتاجون إليه بقدر الكفاية ، وعن علي بن أبي طالب قال : كان آخر كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « الصلاة واتقوا اللّه فيما ملكت أيمانكم » « 1 » وقد ورد

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الأدب باب 124 .